أحمد بن علي القلقشندي
108
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فأما الأمر الذي يجمعهما عمومه ، ويكتنفهما شموله ، فهو : أن يتخالص شرف الدّولة وزين الملَّة أبو الفوارس ، وصمصام الدّولة وشمس الملَّة أبو كاليجار في ذات بينهما ، ويتصافيا في سرائر قلوبهما ، ويرفضا ما كان جرّه عليهما سفهاء الأتباع : من ترك التّواصل ، واستعمال التّقاطع ، ويرجعا عن وحشة الفرقة ، إلى أنس الألفة ، وعن منقصة التّنافر والتّهاجر ، إلى منقبة التّبارّ والتّلاطف ، فيكون كلّ واحد منهما مريدا لصاحبه من الصّلاح مثل الذي يريده لنفسه ، ومعتقدا في الذّبّ عن بلاده وحدوده مثل الذي يعتقده في الذّبّ عما يختصّ به ، ومسرّا مثل ما يظهر : من موالاة وليّه ، ومعاداة عدوّه ، والمراماة لمن راماه ، والمصافاة لمن صافاه ؛ فإن نجم على أحدهما ناجم ، أو راغمه مراغم ، أو همّ به حاسد ، أو دلف إليه معاند ، اتّفقا جميعا على مقارعته : قريبا كان أو بعيدا ، وترافدا على مدافعته : دانيا كان أو قاصيا ، وسمح كلّ منهما لصاحبه عند الحاجة إلى المواساة في ذلك في سائر أحداث الزّمان ونوبه ، وتصاريفه وغيره ، بما يتّسع ويشتمل عليه طوقه من مال وعدّة ، ورجال ونجدة ، واجتهاد وقدرة ، لا يغفل أخ منهما عن أخيه ، ولا يخذله ولا يسلمه ، ولا يترك نصرته ، ولا ينصرف عن مؤازرته ومظاهرته بحال من الأحوال التي تستحيل بها النّيّات : من إرغاب مرغب ، وحيلة محتال ، ومحاولة محاول ، ولا يقبل أحدهما مستأمنا إليه من جهة صاحبه : من جنديّ ، ولا عامل ، ولا كاتب ، ولا صاحب ، ولا متصرّف في وجه من وجوه التصرفات كلَّها ، ولا يجير عليه هاربا ، ولا يعصم منه مواربا ، ولا يتطرّف له حسدا ، ولا يتحيّفه حقّا ، ولا يهتك له حريما ، ولا يتناول منه طوفا ( 1 ) ، ولا يخيف له سبيلا ، ولا يتسبّب إلى ذلك بسبب باطن ، ولا باعتلال ظاهر ، ولا يدع موافقته ، وملاءمته ، ومعاونته ومظافرته في كلّ قول وفعل ، وسرّ وجهر ، على سائر الجهات ، وتصرّف الحالات ، ووجوه التّأويلات . يلتزم كلّ
--> ( 1 ) الطَّوف : الجدار ونحوه يقام حول قطعة من الأرض لحمايتها .